Sebab-sebab Kerugian di Bulan Ramadhan


Sebab-sebab Kerugian di Bulan Ramadhan[1]

وربما سأل سائل: كيف يخسر رمضان؟ وما هي أسباب خسارتنا لرمضان؟ فاسمع رعاك الله:

أسباب خسارة رمضان عند المرأة

أولاً: عشرون سبباً أخاطب فيها المرأة وربما شاركها الرجل في بعضها.

وأول هذه الأسباب لخسارة رمضان: 1/ الغفلة عن النية، وعدم احتساب الأجر، وأنك تركت الطعام والشراب، وابتعدت عن المعاصي، والشهوات لله وحده؛ طلباً لرضاه، واستجابةً لأمره، لا يهمك ولا يهمكِ أحد من الناس علم أو لم يعلم، فصومكِ وصومك لله، وخوفكِ وخوفك لله، ولهذه المعاني الجميلة قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) كما في حديث أبي هريرة وهو متفق عليه.

إذاً: فالصيام عبادة خفية بينكِ وبين الله لا يعلم بها إلا الله؛ فقد تشربين وتأكلين كيفما شئت لا يعلم بكِ أو بكَ أحد من الناس، ولكن: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74] فمن صام بهذه المعاني وجد حلاوة الصيام، وشعر بلذة رمضان، فأقدم على الأعمال أيما إقدام (ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) .

2/ ومن الأسباب: إهمال الصلوات الخمس، وتأخيرها عن وقتها، وأداؤها بكسل وخمول، وهذا من أعظم أسباب خسارة رمضان عند الرجال والنساء، فمن لم يحرص على الفرائض ولم يقم بالواجبات فكيف يرجى منه النوافل؟ بل كيف يرجى منه استغلال رمضان؟ ربما صلت المرأة في آخر وقت الصلاة فنقرتها نقر الغراب، فكيف يرجى لمن كان هذا حالها استغلال رمضان والفوز فيه! بل هذه يخشى على صيامها ألا يقبل والعياذ بالله.

3/ ومن الأسباب: السهر، فهو من أعظم أسباب خسارة رمضان! وكيف يرجى لمن سهرت طوال ليلها أن تفوز برمضان؟ والسهر -أيها الأحبة- مكروه حتى وإن كان على مباح، فكيف بمن سهرت على حرام؟ أكثر النساء يجلسن طوال الليل للسمر مع الأخوات والقريبات، وتذهب الساعات بالقيل والقال، وربما جلسن حتى وقت السحر خمس ساعات أو أكثر، ليس فيها قراءة للقرآن، أو موضوع لفقه أحكام الصيام، أو استماع لشريط مفيد، أو قراءة من كتاب، فأسألك بالله أليست خسارةً أن تضيع هذه الساعات الطوال من رمضان في كل ليلة بمثل هذه الجلسات؟! أيتها الأخت المباركة! اعلمي أن العين تصوم، وصيامها غضها عن المحارم، ومشاهدة الفواحش والآثام {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31] وكم من نظرة كانت سبباً لجريمة وكانت سبباً لشقاء أسرة، فاتقي الله! في ليالي رمضان واعلمي أن الله معك يراك في كل حال.

4/ كثرة النوم والخمول والكسل: وهو حصيلة أكيدة لسهر الليل، ولو نامت بالليل ساعات؛ لجلست بعد صلاة الفجر في مصلاها تذكر الله وتقرأ القرآن، ولأصبحت نهارها طيبة النفس نشيطةً.

5/ ومن الأسباب لخسارة رمضان: ضياع الوقت في التفنن في المأكولات عند المرأة، والمرأة مأجورة مشكورة ولا شك لقيامها على الصائمين وإعداد طعامهم، وهذا فضل عظيم لها تختص به دون الرجال، ولكن يمكنها اختصار الوقت في مطبخها بدون إسراف ولا تبذير، ثم وأنت تعملين يا أمة الله! عليك بكثرة ذكر الله، وبالتسبيح والتحميد، قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب:35] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) كما في صحيح مسلم.

قال ابن القيم: وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة: يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهمّ، ويجلب الرزق، ويكسب المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله إلى قوله: ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات إلى آخر كلامه.

وأما كثرة الأكل في رمضان وما فيه من خسارة فحدث ولا حرج.

قال الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك؛ فأقلل من الأكل.

وقيل لـ أحمد بن حنبل: هل يجد الرجل من قلبه رقةً وهو شبع؟ فأجاب: ما أرى.

وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام لتغل صاحبها عن كثير مما يريد.

وصدق رحمه الله.

6/ من الأسباب: سماع الغناء: فالأذن تصوم وصيامها عن سماع الفواحش والحرام، وإني لأعجب والله كيف ينتشر الغناء في كثير من بيوت المسلمين، وخاصةً خلال هذا الشهر، شهر القرآن؟!! ثم هل يعقل أن يجتمع في بيت واحد صوت الرحمن وصوت الشيطان؟! وإن اجتمعا، فكيف حال القلب؟ وهل سيتأثر بهذا أو بذاك؟ ولكِ أن تتصوري أيتها المسلمة! الهموم والقلق كيف تمزق القلب وتشتته؛ فهو تارةً يستجيب لنداء الفطرة، لنداء الرحمن وحلاوته، وتارةً يطرب ويسكر للأوتار ومزامير الشيطان، فأي ضياع وأي خسران لسامعة الغناء؟! فكيف حالها في رمضان؟ وكيف تتلذذ بسماع القرآن وهي تسمع قرآن الشيطان ومنبت النفاق في القلب ورقية الزنا؟

أسماؤه دلت على أوصافه تباً لذي الأسماء والأوصاف

قال ابن القيم رحمه الله: فمن خواصه -أي الغناء- أنه يلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً لما بينهما من التضاد إلى أن قال: وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة إلى آخر ما قال.

برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا

وكم قلت يا قوم أنتم على شفا جرف ما به من بنا

شفا جرف تحته هوة إلى درك كم به من عنا

وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا

فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا

فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا

7/ ومن الأسباب وهو مثل الغناء: مشاهدة التلفاز والأفلام والدشوش، وسهر ليالي رمضان عليها، وصدق الله يوم قال: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء:36] فكيف برمضان وأيامه ولياليه؟ 8/ ومن الأسباب: قراءة المجلات والروايات والجرائد وما شابهها، أفلا نحرص على ترك هذه الفتن وهذه الوسائل على الأقل ولو في رمضان؟! تعالوا واسمعوا لحال السلف، إنهم يتركون طلب الحديث وطلب العلم في رمضان؛ من أجل التفرغ لقراءة القرآن، وليس ترك الجرائد والروايات، ومشاهدة المسلسلات والأفلام.

كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.

وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان؛ ترك قراءة الحديث، ومجالس العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.

وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة.

وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين.

وكان الأسود رحمه الله يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر؛ فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار، واتبعوا طريقهم تلحقوا بالبررة الأطهار.

9/ ومن الأسباب: التسويف، وقد قطع هذا المرض أعمارنا، حتى في أفضل الأيام والشهور، حتى ونحن نعلم أننا قد لا ندرك رمضان الآخر، حتى ونحن نعلم أن رمضان شهر المغفرة والتوبة، حتى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر -بثلاث وثمانين سنة وتزيد- لم تسلم من التسويف، فلا حول ولا قوة إلا بالله! ومثال التسويف في رمضان -مثلاً- قراءة القرآن، تريد المرأة أن تقرأه بعد صلاة الفجر؛ ولكنها متعبة من السهر، ثم بعد الظهر؛ ولكنها مرهقة، ثم بعد العصر؛ ولكنها في المطبخ منشغلة، وربما في الليل؛ ولكنها مع القريبات والجلسات ملتزمة، وهكذا فيخرج رمضان ولم تستطع أن تختمه ولو لمرة واحدة؛ فمسكينة تلك المرأة.

أرأيت كيف يكون التسويف من أعظم أسباب خسارة رمضان؟ إنه لمن الخسارة والحرمان أن تمر هذه الليالي المباركة على الإنسان وهو يسرح ويمرح.

قل للذي ألف الذنوب وأجرما وغدا على زلاته متندما

لا تيأسن واطلب كريماً دائماً يولي الجميل تفضلاً وتكرما

يا معشر العاصين جود واسع عند الإله لمن يتوب ويندما

يا أيها العبد المسيء إلى متى تفني زماناً في عسى ولربما

بادر إلى مولاك يا من عمره قد ضاع في عصيانه وتصرما

10/ ومن الأسباب -أيضاً-: الخروج للأسواق: وهو ضياع لليالي رمضان الفاضلة، وفيه فتن عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، وقد تضيع فيه الحسنات التي جمعتها تلك المرأة في رمضان من صلاة وقيام، وصدقة وقراءة للقرآن بخروجها للأسواق، فهي خراجة ولاجة، يستشرفها الشيطان؛ فخسرت رمضان وعرضت نفسها للعنة الرحمن.

11/ ومن الأسباب: التبرج والسفور، فالمرأة تدخل وتخرج لوظيفتها، وتخرج للسوق لحاجة، وتذهب لأداء العمرة، فهي في طريقها للحرم وربما نزلت لأسواق مكة، فانظر للباسها؛ فالعباءة ناعمة رقيقة، والثوب ملون، والنقاب ساحر، والعينان كحيلتان، والروائح زكية.

فما رأيكم بقبول صيامها؟ بل ما رأيكم بقبول عمرتها وصدقتها وعبادتها؟ وهل هذه رابحة في رمضان أم خاسرة؟ فيا أمة الله! احرصي على الستر والعفاف، فالشيطان حريص، وشياطين الإنس كثيرون، واعلمي أن الله معك يراك.

12/ ومن الأسباب: الهاتف، نعم.

فقد يكون الهاتف سبباً لخسارة رمضان لدى بعض الأخوات؛ إذ تقضي الأخت الصائمة وقتاً طويلاً في مكالماتها، لا لأجل تهنئة أخواتها بدخول شهر رمضان، أو لأجل مناقشة في مسائل فقهية في رمضان؛ وإنما للسؤال عن أنواع الأكلات، وأنواع الموديلات، وكيف يقضين ليلهن، وربما تعرضن لف

أسباب خسارة رمضان عند الرجل

هنا أيضاً عشرون سبباً أخاطب فيها الرجل، وربما شاركته المرأة في بعضها: 1/ وأول هذه الأسباب: عدم أداء الصلاة مع الجماعة، والنوم عنها، أو التأخر عنها، والتساهل فيها، وقضاء الفائت منها على عجل، وهذا أمر مشاهد ملموس، وربما شاركه فيه كثير ممن انتسبوا للخير، ومن كان للفرائض مضيعاً أو متساهلاً فهو لما سواها أضيع، وكيف يريد هذا الإنسان أن يفوز برمضان؟ وإنك لتعجب من أمر الصائم، كيف أمسك عن الطعام والشراب وجاهد نفسه، ولم يستطع أن يجاهد نفسه على الحرص على الفرائض والواجبات! وصدق صلى الله عليه وسلم: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) .

2/ من أسباب خسارة رمضان للرجال: الرياضة، نعم الرياضة، سحرت الكبير والصغير، الصالح والطالح، وغريب أن تنشط الدورات الرياضية الرباعيات والسداسيات خلال رمضان، وكان الأولى بالأندية الرياضية أن ترسم البرامج لاستغلال طاقات الشباب وتوجيههم في رمضان، وأن تكون عوناً لهم على طاعة الله عز وجل، وقل مثل ذلك في الاستراحات والأرصفة والطرقات، ونحن نقول: إذا كان ولا بد فساعة أو ساعتين -أي: للرياضة- ثم تنظم المسابقات لتلاوة القرآن وحفظه وفهم معانيه، والاستفادة من الوقت في باقي الأوقات، فإن رمضان شهر القرآن وليس شهر الرياضة.

والمصيبة أن تستمر الرياضة وبرامجها حتى في العشر الأواخر من رمضان، فمتى يصلي التراويح؟ ومتى يصلي القيام؟ ومتى يقرأ القرآن؟ ومتى ينام؟ نعوذ بالله من الخسران، ومن موت القلب وشدة الغفلة.

أخي! ما بال قلبك ليس ينقى كأنك لا تظن الموت حقا

أيا ابن الذين فنوا وبادوا أما والله ما بادوا وتبقى

وما أحد بزادك منك أحصى وما أحد بزادك منك أشقى

وما للنفس عندك مستقر إذا ما استكملت أجلاً ورزقا

3/ ومن الأسباب: الاستراحات والجلسات والملاحق، فبدل أن تستغل للاجتماع على استغلال رمضان والتعاون على البر والتقوى، أصبحت -وللأسف- عند البعض من أسباب خسارة رمضان، وضياع الزمان، حتى الصالحين -وللأسف- حتى معلمي الخير، نبحث عن الشباب ومشاركاتهم في أعمال البر والخير، وفي أمور الدعوة والتوجيه، فإذا بهم تجمعوا شللاً وأحزاباً في الاستراحات، وإذا بالقيل والقال والغيبة والنميمة؛ فضاعت ليالي رمضان وضاع رمضان، أما أهل الغفلة والضياع فأصبحت الاستراحات بالنسبة لهم مواخير للفساد بأنواعه، بدءاً بالدش ونهايةً بالرذيلة -عافانا الله وإياكم- إلا من رحم الله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح يقول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99] .

4/ ومن أسباب خسارة رمضان: التسكع في الشوارع والأسواق، وإيذاء الناس، والجلوس على الأرصفة.

غفل كثير من الناس عن أولادهم؛ فتركوهم يسرحون ويمرحون في الشوارع، ويسهرون للعب والسفه، ولا أقول هنا سوى: أين الآباء والأمهات؟ أين التوجيه؟ أين حمل الأمانة؟! أي قلب لك أيها الأب! وأي حنان هذا الذي تدعينه أيتها الأم! والأولاد في الشوارع، وعلى الأرصفة بدون رقيب ولا حسيب، ولا سؤال ولا جواب؟ والله ليأتين يوم يوقف فيه الابن أباه، ويحاسبه على تفريطه وتقصيره في تربيته.

5/ المعاكسات سواءً في الأسواق أو عبر الهاتف، ويعلم الله ما كنت لأضع هذا سبباً من أسباب خسارة رمضان؛ لولا أني سمعت من رجال الحسبة عجباً، ومن التائبين أعجب العجب، والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع؛ أن أصبح بعض شبابنا ذئاباً بشرية لا يهمهم سوى شهواتهم، بدون تفكير في مصير ضحيته وحالها، وبدون مراقبة لله عز وجل، جريمة أن يصبح رمضان موسماً للصوص الأعراض، تخرج المرأة بحجة الذهاب إلى السوق، أو بحجة صلاة التراويح، ثم يكون ما يكون على غفلة من الأب المسكين، والأم الحانية، فأي موت للقلب هذا، وأي عبودية للشهوة؟! إن أهل الفضيلة ما حسبوا أن مثل هذا يقع، بل ولا دار -والله- في خلدهم، أما أهل الرذيلة فهم يتفننون ويخططون ويرسمون {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] .

سبحان الله! حتى في رمضان؟ بل وفي العشر الأواخر منه -وللأسف- وما كنت لأوجع قلوبكم بمثل هذا؛ لولا الحقائق المرة المؤلمة، فالحذر الحذر قبل وقوع الفأس بالرأس.

6/ ومن الأسباب: جلساء السوء وأصحاب الهمم الدنيئة، وهم من أعظم أسباب خسارة رمضان.

وألخص الأمر لك بكلمة: قل لي: من تجالس أقل لك من أنت، وهل ربحت أم خسرت؟ قال مالك بن دينار: [إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار] والخبيص: نوع من أنواع الحلوى يصنع من التمر مخلوطاً بالسمن.

وقال موسى بن عقبة: إن كنت لألقى الأخ من إخواني فأكون بلُقيه عاقلاً أياماً.

أي متأثراً به.

فكم من إنسان صالح فيه خير كثير ضاع عليه رمضان بسبب جلسائه، والواقع يشهد بذلك.

7/ ومن الأسباب لخسارة رمضان للرجال: الدخان والشيشة، وهما من الأمور المحرمة التي اعتادها الناس واستمرءوها.

فقم بزيارة خاطفة للمقاهي في ليالي رمضان، ففيها ضياع المال الذي سيسأل عنه، وفيها ضياع للصحة التي سيسأل عنها، وفوق ذلك إثم ووزر؛ فهي مغضبة للرب، منجسة للفم والصحة.

والمضحك المبكي أن بعض المدخنين فور سماعه للأذان يفطر على سيجارة بدل التمرة، نعوذ بالله من غضب الله، ومن الخسران! 8/ ومن الأسباب: أكل الحرام ومنه الربا والغش والسرقة، وفيه حديث أبي هريرة الذي ذكر في آخره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له) كما في صحيح مسلم في كتاب الزكاة.

كيف يريد الربح في رمضان وهو إن تصدق لم تقبل، وإن دعا رد دعاؤه! والله ما قست القلوب، ولا ضاعت البركة، ولا فسد الأولاد؛ إلا بسبب أكل الحرام، وانطمس النور لما فقدت اللقمة الحلال.

9/ التزييف والخداع والنجش والحلف الكاذب من بعض التجار في رمضان، فرمضان موسم تجاري كبير، ولا بأس بهذا، لكن بعض البائعين غفل عن أنه صائم، أو ظن أن الصيام مجرد إمساك عن الطعام والشراب؛ فوقع في كثير من منكرات البيع والشراء وسوء المعاملة، ومن ذلك ما نجده في الدعايات والإعلانات المبالغ فيها، وربما المكذوب فيها، والملبس فيها على كثير من المسلمين.

10/ ومن الأسباب: الانسياق واللهثان وراء التجارة وطلب المال، والإفراط في ذلك إلى حد التقصير في الواجبات، فهو في السوق منذ الصباح إلى المساء، وربما في ساعات طويلة من الليل أيضاً، أليست هذه خسارة لرمضان؟ وربما صاحب هذا الجلوس إطلاق العنان للبصر ومحادثة النساء، وربما الغيبة.

ففي العشر الأواخر أفضل الأيام، الناس في صلاة وقيام، وقراءة للقرآن، ودعاء واستغفار، وبكاء وخشوع.

صيام العارفين له حنين إلى الرحمن رب العالمينا

تصوم قلوبهم في كل وقت وبالأسحار هم يستغفرونا

بينما البائع المسكين في السوق يعرض نفسه لكل فتنة فتنة المال والنساء والبصر، فكان الله في عونهم وغفر لنا ولهم.

11/ ومن الأسباب -أيضاً-: الإهمال في العمل الوظيفي، والتأخر عنه، والخروج قبل نهاية الدوام.

كيف يسوغ لمسلم صائم أن يستحل ساعة أو ساعتين من دوامه؟ أو أن يترك عمله، أو يهمل فيه وهو يعلم أن هذا خيانةً للأمانة، ونقصاً للعهد الذي بينك وبين المؤسسة التي تعمل فيها؟ ولهذا فإنك ترى في أمثال هؤلاء قلة البركة والتوفيق، وكثرة الديون، هذا في الدنيا وما عند الله يعلمه الله.

ألا تخشى وقد قصرت في عملك وأهملت، أن يرد عليك صيامك أو أن ينقص أجره؟ فالله الله بإتقان العمل وأداء الأمانة، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

أيها الموظف! اسمع هذا الحديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة، فقال له صلى الله عليه وسلم: أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة) .

إذاً: فربما خسرت رمضان، أو إجابة الدعاء؛ بسبب إهمالك أو تقصيرك في عملك، فاتق الله، وخف منه، واعلم أن الله يراك ومطلع عليك في كل حال.

12/ ومن الأسباب -أيضاً- لخسارة رمضان: التهاون ببعض الذنوب والتعود عليها من غير ندم ولا استغفار ولا تجديد توبة، فالإسبال -مثلاً- وحلق اللحية، وسماع الغناء، وغيرها، هذه ذنوب تتكرر مع البعض مرات ومرات؛ حتى أصبح ذلك المسكين لا يعدها ذنباً، وهي محسوبة عليه كلما عاد إليها، فكان الأولى به تجديد التوبة وكثرة الاستغفار والندم، وأنه وقع فيها عن ضعف نفس وإيمان، وليس عن تكبر وعصيان، وهذه الذنوب كم تؤثر على رمضان وعلى الصيام، وقد تكون سبباً في خسارته لرمضان وهو لا يشعر.

لا تحتقروا هذه الذنوب وتتهاونوا فيها، فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إياكم ومحقرات الذنوب) .

13/ ومن الأسباب آفات اللسان: كالسباب والشتام، والغيبة وبذاءة اللسان والكذب.

فيا أيها الصائم! حتى لا تخسر رمضان أمسك عليك لسانك، واسمع لهذه الآية: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وفي الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفيه -أي في الحديث-: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) .

فاللسان إذن يوردك الجنة أو يقذف بك إلى النار، فقد يخسر العمر كله وليس رمضان فحسب، فلنحذر من آفات اللسان في كل وقت وخاصة في رمضان.

14/ ومن الأسباب: التساهل وعدم الجدية، ويتضح هذا في كثرة المزاح، والضحك والتعليق، وربما السخرية والاستهزاء.

15/ ومن الأسباب لخسارة رمضان: الظلم، مهما كان لك من أعمال صالحة، ومهما حرصت على رمضان فما دمت ظالماً؛ أخذت منك هذه الأعمال الصالحة بقدر مظلمتك، وإن لم يكن

مقياس الفوز والخسارة في رمضان

لعل البعض يتساءل: إذن فما هو العلاج؟ ولا أطيل في العلاج، ولكني أقول: انظر وانظري إلى كل سبب من الأسباب السابقة، ولنحاول الابتعاد عنه هنا يكون العلاج.

وإذا أردنا رجالاً ونساءً أن نرى عظيم خسارتنا لرمضان، فلنجب على هذه الأسئلة السريعة بصراحة تامة ومحاسبة للنفس، فإننا سنقف أمام علام الغيوب الذي يعلم حقيقة القلوب: هل تقرأ القرآن بكثرة؟ وهل تختمه في رمضان بكثرة.

على الأقل ولو مرةً واحدةً في رمضان؟ هل تحرص على أداء الصلوات في وقتها بطمأنينة وخشوع، ومع جماعة المسلمين؟ هل تحافظ على السنن الرواتب القبلية والبعدية؟ هل تستحضرين النية في إعداد الطعام والشراب لأهلك، وتحتسبين الأجر على الله عز وجل؟ هل تصدقت وأطعمت الطعام؟ وإذا كانت الإجابة بنعم.

فبكم؟ وهل يساوي أو على الأقل يقارب ما يصرف على اللباس والزينة خاصةً في شهر رمضان؟ وأنت أيها الرجل! كم أنفقت في سبيل الله؟ وهل تحمل هم المسلمين والمساكين في كل مكان؟ وهل تحرص على أداء صلاة التراويح بآدابها؟ وأنت أيتها الأخت! هل تحرصين على صلاة التراويح مع المصلين في المساجد، أو حتى لوحدك في البيت؛ فإن خير صلاة المرأة في قعر دارها؟! كم ساعة تنام وكم ساعة تنامين في اليوم في رمضان، في موسم الخيرات والحسنات؟ كم شريطاً نافعاً من قراءة قرآن أو محاضرة سمعتها من خلال رمضان؟ كم ساعة تسهرين، وكم ساعة تسهر، وعلى أي شيء تسهر؟ كم عدد تلك الدقائق التي نقضيها في التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار؟ هل وقفنا يوماً من الأيام في ظلمة ليل أو في مكان خالٍ، ورفعنا أكف الضراعة للدعاء في وقت السحر أو في أي وقت من أوقات رمضان؟ هل تستغلين الزيارات والجلسات بالمناصحة والتفقه والدعوة إلى الله عز وجل؟ هل تجتهدين في طاعة زوجك ورعاية أولادك خلال هذا الشهر؟ هل طهرنا بيوتنا من المنكرات؟ هل طهرنا أموالنا من الربا والحرام؟ الأسئلة كثيرة، ومن خلال الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سنعرف مدى الخسارة والربح الذي ينالنا في هذا الشهر، فاصدق مع نفسك ما دام في العمر فسحة، وقبل أن تندم فلا ينفع الندم.

عليك بما يفيدك في المعاد وما تنجو به يوم التناد

فما لك ليس ينفع فيك وعظ ولا زجر كأنك من جماد

ستندم إن رحلت بغير زاد وتشقى إذ يناديك المناد

فلا تفرح بمال تقتنيه فإنك فيه معكوس المراد

وتب مما جنيت وأنت حي وكن متنبهاً من ذا الرقاد

يسرك أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد؟!

هذه أربعون سبباً لخسارة رمضان، يشترك فيها الرجال والنساء، جمعتها تنبيهاً للغافل، وإعانةً للذاكر، وتعليماً للجاهل، وهي عرضة للخطأ والنسيان والتقصير، ولا شك أنها بحاجة إلى المزيد من الترديد والتأكيد؛ لينتفع بها القريب والبعيد، والنبيه والبليد.

فكن لها شاهراً وناشراً وناصحاً وذاكراً، واحذر هذه الأسباب، وتنبه لشرورها، ولا تحرم نفسك الخير ومواسم الطاعة، فكن من الفائزين برمضان، فلو رأيتهم وقد هجروا لذيذ المنام، وأداموا لربهم الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، يتسابقون كل يسأل حاجته، أحدهم العفو عن زلته، وآخر يسأل التوفيق لطاعته، وثالث يستعيذ به من عقوبته، ورابع يرجو منه جميل مثوبته، وخامس يشكو إليه ما يجد من لوعته، وسادس شغله ذكره عن مسألته، فسبحان من وفقهم! وغيرهم خاسر محروم.

فإذا أردت المزيد من وصفهم ومعرفة حالهم، فاحرص على سماع الشق الآخر لهذا الموضوع وهو بعنوان: (الفائزون في رمضان) لتعلم أن الخير ما زال في هذه الأمة، لتعلم حال الخير في الخلف كما أن الخير أيضاً في حال السلف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وإن كنا نسمع ونرى ونقرأ حال الخاسرين الغافلين وما أكثرهم، فإن هناك الصالحين الفائزين الذين تكتحل العيون لرؤيتهم، وتطرب الآذان لأخبارهم، وتنشرح النفوس لأحوالهم، ليسوا من السلف بل هم بقية من السلف من إخواننا وأخواتنا ممن يعيشون بيننا.

ولعلك اشتقت لسماع أخبارهم ومعرفة أحوالهم، فارجع لذلك الدرس؛ لتعلم الفرق الكبير بين الربح والخسارة.

جعلنا الله وإياك من الفائزين برمضان، وجنبنا وإياك الخسران.

سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا عارفاً بالحال والشأن، اللهم ارحم ضعفنا، وتب علينا توبة صادقة نصوحاً، اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا من أهل الصلاة والصيام والقيام، اللهم وفقنا لاستغلال رمضان، اللهم اجعلنا فيه من الفائزين ولا تجعلنا فيه من الخاسرين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] Asbab Khosaaroh Ramadhan, Durus li Asy-Syaikh Ibrahim Ad-Duwaisy, Maktabah Syamilah.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s